وفُتح الباب ..وسمعت صراخاً وصياحاً .. سمعت اسمي مقترناً بسباب لا ينقطع .. نظرت بجانبي فلم أجده .. لا أعلم أين ذهب ولكني لم اتوقع منه البقاء ..رغم عُريجسدي إلا اني لم اشعر بأي شيء .. لم اشعر بخزي أو حتى برهبة .. فلقد ماتت كل هذه المشاعر بداخلي منذ زمان لم أعُد حتى اتذكره ..لم اتفاعل معهم .. لم اصرخ وإذ ما بداخلي سوى جليد ..جذبوني بعنف ..وبدأت اللطمات تنهال عليَّ من كل اتجاه ولكن هذا أيضًا لم أشعر به ..فإذ كل إحساس لديَّ قد مات منذ زمن .. فقد تحولت إلى جماد لا يشعر منذ سنين لم أعد اذكر حتى عددها .. لقد تعودتُ الإهانة والإزدراء في عيون الجميع لي .. جروني في الطرقات وقد علمت حينذاك أن مصيري هو الموت وتوقفت كل حواسي عن العمل .. وبدأت أعيش الموت الذي يستحيل الهروب منه .. لقد انتهى كل شيء وانتهيت أنا .. ماذا أنا؟ .. لا شيء .. إنسانة فاقدة للإحساس وفاقدة لكل رغبة في الحياة ..فـأنا اذن لا شيء .. لا عوز لي في العالم و لن يذكرني أحد متى رحلت عن هذه الدنيا .. تجرَّح جسدي إثر الإرتطام بالأرض وهم يجروني .. أعياني التعب وغطت الدماء عينيَّ .. وقربت النهاية ..اجتمع الناس وأمسكوا بالحجارة ..الحجارة التي باتت أملي الوحيد في الخلاص من هذا الموت الذي أنا أحياه لأنتقل بعدها إلى موت لست مضطرة أن أحيا فيه .. وانتظرُت النهاية ..ونادوه حتى يصدر حكمه عليَّ ..لم أكن قابلته من قبل حين ذاك ..لقد سمعت عنه كثيراً من نفوس مريضة شفاها ولكني لم أجد أي سبب يدفعني لمحاولة لقائه ..هو كان يشفي المرضى ويقيم الموتى ..أما أنا فلم أكن مريضة ولم أكن مائتة .. بل كنت أحيا الموت كل يوم .. ماتت حواسي بالتدريج .. جُرحت مشاعري حتى انعدم وجودها .. أُهينت كرامتي حتى اصبحت بلا كرامة .. وهكذا صرت جسدا ًيحيا بلا نفس بلا سبب وبلا هدف في انتظار الموت الحقيقي وجاءت اللحظة التي قرر فيها الشعب أن يصنع مني فخا ليوقع به .. لم ينظر اليَّ رغم عُريي .. لم ينظر إلى جسدي الذي كان يدفع فيه الناس مالهم ولم تتقابل عينانا .. فانتظرت حتى يفرغون من استجوابه حتى ألاقي مصيري الذي بت انتظره بفارغ الصبر .. طالبوه بالحكم عليَّ ..لم أعرف الهدف إذ أن الحكم معروف .. لم اكترث ولم أنظر اليه وثبَّتُ عيناي في التراب الذي كنت ملقاة عليه مقيدة ..سكت كثيرا ثم أخرج عبارة دعتني للسخرية بداخلي .. من يظن أنه” حي أكثر منها “ فليصدر عليها حكم الموت وينفذه ..وهنا انتظرت سيل الحجارة ..ولكنه لم يأتِ .. جلس هو بجانبي يعبث بالتراب باصبعه ..سمعت همهمة وسمعت الحجارة تلقى على الأرض تباعاً ..حتى صرت لا أسمع همهمة ولا حجارة ..لا شيء ..لم أسمع سوى صوت أنفاسه بجانبي .. استفقت من ذهولي وقررت أن أرفع عينيَّ لأنظر اليه .. وشعرت حينذاك بطوفان يصعد بداخلي .. نار بداخلي حتى خُيِّل لي أنني احترق فعلاً .. نظرت اليه فلم ينظر الي .. جاءت الجملة ..ولا أنا أدينك ..وحينها نظرلأول مرة في عينيِّ ..اخترقت نظرته كياني ..غمرت كل حاضري ومستقبلي ..وشعرت بالحياة تعود لجسدي .. مرت كل ذكرياتي المؤلمة التي ظننتها ماتت بداخلي امام عينيَّ .. مرت دون ألم .. استفاقت روحي على نظرة أعادت لي الحياة .. فلقد لمست النظرة كل أشلاء نفسي وجمعتها وأعادت لها الحياة .. فحُفرت تلك النظرة في وجداني واصبحت هي الإعلان عن عودتي للحياة وعن استحالة موتي مهما مر الزمن ومهما ضاعت الشطوط..فلقد نظر هو الي دون غيره ..هو الداعي الغير موجود كانه موجود وكانت نظرته فقط كافية لإسترجاع الكيان الذي بات من النسيان. لقد قومت نظرته انحناءة روحي ونفسي معا. لقد ذاب ماضي كالشمع وبني مستقبلي من حب.فـسرت أسيرة لحب عاد فأحياني ولنعمة قد اكتنفتني وغيرت شكل أيامي ومسار سنيني.
beautiful!